alma7i
08-11-2006, 05:13 AM
تقول الحكمة: (من ليس له ماض، لا حاضر له)
لذا يصعب على من يستغرقه الحاضر أن يستقر أو أن يتطلع إلى المستقبل بدون أن يتدبر ماضيه ويتأمل وقع خطاه التي مشاها.. وكلنا يحلو له أن يتذكر ما تختزنه الذاكرة من مظاهر وأسلوب حياة.. والناس بكل أصناف مشاعرهم وطبائعهم.. وملامح الزمان والمكان، أينما شهدنا الزمان والمكان.
ومن حسن الطالع أن في المدينة المنورة بقيت صور جميلة من الماضي ولا تزال تحمل بصماته وإن تغيرت الوجوه وبعض المواقع ومظاهر العصر، والبناء الحديث الذي فرضه التطوير وهذه سنة الحياة. وفي كل مرة أزور فيها المدينة المنورة للصلاة في المسجد النبوي الشريف واتشرف بالسلام على خير الأنام صلى الله عليه وسلم، احرص على تفقد أحياء سكنية وحارات وأسواق شهدت مراحل وسنوات من العمر مع الأحبة والجيران ووجوه وأسماء تعاملنا معا وأكلنا "عيش وملح"، ومنهم من يحفظ هذه الذكريات بين جوانحه.
في زيارة قريبة التقيت الإخوة الأحبة مع حفظ الألقاب أسعد تقي خاشقجي وشقيقه اللواء شهاب وسامي أمين بري وشقيقه فريد بري وهو حاليا رجل أعمال بالمدينة المنورة.. تذكرنا أيام زمان في المدينة المنورة عندما كنا نلتقي ومعنا حبيبنا عبدالله السبيعي في متجر العزيز الراحل عادل شعبان رحمه الله.. وعدنا بشريط الذكريات أيام ندوة السندباد وفرسانها من اهل الادب والإبداع، ومعالم شارع العينية، ومحل السحلب والايسكريم، وطعمهما الذي لا ينسى من صنع التركي، كذلك الاوقات الرائعة في مكتبة الأخ أحمد نمكاني متعه الله بالصحة والعافية وثروته من أمهات الكتب.. أيضاً مكتبة حكمت عارف الاثرية التاريخية، والشيخ محمود أكنيلي بذاكرته وذكرياته رحمه الله.
تذكرنا عندما كنا نذهب (شلة) كل يوم سبت إلى مسجد قباء مشيا على الأقدام للاستراحة بين الزهور الجميلة، وبعد صلاة العشاء فيا لمسجد يعود كل منا إلى بيته.
هنا افتح صفحات من الذاكرة وقد تملكني الشوق والحنين إلى تلك الذكريات الحميمة، لأحرض ذكريات أمثالي من أبناء المدينة المنورة وهم الأوفياء المشدودون للزمن الجميل في رحاب طيبة. وما شجعني على بلورتها ورصد تفاصيلها أخي العزيز الأستاذ سامي أمين بري وهو صاحب أسلوب راق وبديع حقا، وكان والده الشيخ أمين -رحمه الله- ونتناول الشاهي الأخضر مع أخي سامي الذي زودني بتفاصيل عن صناعات الملابس وغيرها وكأنه بحث جميل ودقيق، وبالمناسبة سيودع قريبا حياته العملية الطويلة بجامعة الملك عبدالعزيز وأتمنى له الصحة والسعادة.
أما الذكريات فأخص هنا سوق القماشة النابض بالحركة الدائمة.. فما هي ملامحه آنذاك؟
خلال العام.. هذا السوق العريق كانت تمر عليه فترات تصل فيه الحركة إلى الذروة وذلك خلال الموسم، وأقصد بذلك فترة الحج، وهي تنقسم إلى فترتين: ما قبل الحج، وهي الفترة التي تقع في أشهر رمضان وشوال وذو القعدة والأيام الأولى من شهر ذو الحجة. اما الفترة الأخرى فهي تبدأ من عودة الحجيج من مكة المكرمة والتي تقع في اليوم الرابع عشر من ذي الحجة وحتى الايام الأخيرة من العام الجديد.
هذه الفترات السابقة يتخللها موسم آخر في هذا السوق يعتمد على الأهالي، وهي الفترة التي تقع في شهر رمضان المبارك، حيث يتسوق الأهالي لشراء لوازم العيد من أقمشة وخياطة ثياب وعمل أحذية جديدة (المدس) وشراء العقل والكتب لوضع الأزارير بها.
وتأتي أهمية سوق القماشة بالنسبة لأهل المدينة المنورة لشموله على معظم احتياجاتهم فتجد في السوق الصناعات اليدوية وتشمل:
- صناعة العقل وبيعها، فهناك العقل القصب وله نوعان أحدهما عقل القصب الفضة والآخر عقل القصب النحاس ولكل منهما من يقتنيه، فالأول أغرى من الثاني لتميزه في فترة الاستخدام وبقائه فترة طويلة دون أن يتغير، ويفرق بينهما عن طريق حرق القصب بالكبريت، حيث يتضح للمشتري أن القصب الفضة يأخذ اللون الأبيض (لون الفضة) والآخر يأخذ لون نحاس وهي النحاس. وهنالك نوع آخر وهو الحرير، وهو في المرتبة الثالثة بعد النوعين السابقين، وسنأتي على شرح صناعة العقل لاحقاً.
- صناعة المدس وبيعها، فهناك أنواع مختلفة،وهي تختلف وفقا لنوع الجلد الذي يعمل به هذا النوع من المدس.
- صناعة الثياب وبيعها وهي الأخرى تتميز حسب نوع القماش ونوع الشغل الذي يقوم به صناع الثياب، فمنها على سبيل المثال المكتل والعادي ونحوه.
- صناعة الغتر أو الشيلان حيث يتم عملها عن طريق التطريز وهي تأخذ أشكالاً مختلفة ومنها صناعة الطواقي، وهي الأخرى على عدة أنواع منها ما يشغل بالقصب الفضة والآخر النحاس وأيضاً الحرير.
- صناعة الخواتم والكردان والبناجر والسحبات والأسورة ونحوها، وهي تختلف حسب نوع المعدن فهناك الذهب والفضة والنحاس.
- صناعة المساند والمراتب والتكايات، وهي تقع في سوق القماشة إلا أنه موقعها في مواقع غير ظاهرة في نفس الدكاكين دائما في مخازن تصل إليها عن طريق السلالم. وتزدهر هذه الصناعة خلال فترة الزواج التي تقع غالباً في فترة البيصارة أي الفترة التي لا يوجد بها زوار للمدينة في ذلك الزمان.
والمحلات التجارية أيضاً صورة من صور الحياة العامرة وتضم:
- بائعي القماش، حيث يتخصص بعضهم ببيع أقمشة تخص النساء وأخرى تخص الرجال.
وما تجدر الإشارة إليه أن عددا كبيراً من أهل المدينة لا يسمحون لنسائهم بالتسوق ويتم أخذ الفاتورة وهي تختص بقطعة صغيرة من القماش ليطلع عليها أهل البيت ويحدد على أساسها لون وشكل القماش ويتم عقد هذه القطعة ليتولى رب الأسرة شراء المطلوب حسب الحاجة.
- بائعي مستلزمات الخياطة، ويوجد في السوق عدد من هذه الدكاكين التي يقوم البائع بتأمين هذه المستلزمات وهي الخيط والسست والأزارير والطقاطق وأنواع الإبر والطيران التي يشد عليها القماش لعمل السراويل وأنواع أخرى.
- بائعي السبح والخردوات والتي تشمل معظم مستلزمات الجاليات التي تأتي لزيارة المدينة من خواتم وبناجر ونحوها.
- بائعي الغتر أو الشيلان وهي متنوعة من الغباني والشماغ والشال العادي والآخر المطرز.
- بائعي الملابس النسائية وأدوات الزينة للنساء.
- بائعي الملابس الرجالية، وبائعي المشالح وهي الأخرى متنوعة حسب نوع المشلح (البشت) وهي القصب والفضة والنحاس والحرير.
- بائعي أدوات العطارة.. وأخيراً وليس آخر بائعي التمر. ووجود الكم الكبير من الصناعات اليدوية ونحوها في المدينة المنورة، والتي أشرت إليها يعطي فكرة عامة عن أهمية هذه الأسواق وخاصة سوق القماشة الذي تميز بموقعه الجغرافي فهو يصل من الناحية الشرقية بباب السلام الذي يشتمل هو الآخر على عدد من الدكاكين ذات الطابع المختلف، حيث يشتمل على دكاكين يزاولون فيها بيع أنواع مختلفة من الأدوات الغذائية مثل السكر والشاي والبن والهيل والمعلبات إضافة إلى المواد الغذائية الأخرى.
أما برحة باب السلام فكانت تتميز في فترة رمضان المبارك بوجود عدد مختلف من بائعي البليلة والترمس والفول والحلبة، حيث تتزين هذه البسطات بمختلف أنواع من الأتاريك التي تعمل بالكيروسين وبائعي الثلج وأنواع مختلفة من العصيرات والإسكريم. وفي الناحية الغربية من سوق القماشة يأتي باب المصري، وهذا الآخر يؤدي إلى عدد من الأسواق منها سوق الحبابة -سوق العياشة- سوق الطباخة وبه بائعو السمك البلدي والعسل،وتجد في هذا السوق أيضاً أنواعا مختلفة من الأكلات الشعبية مثل المقادم - التقاطيع ورؤوس المندي وأنواع مختلفة من الكبد والأوصال ونحوها، كما يوجد في هذا السوق بعض أنواع البقالات التي تبيع الفول المذرع، وهناك بعض البسطات التي تبيع أنواعا مختلفة من الفواكه، إضافة إلى كشك يحتوي على المياه الطبيعية المبردة ذات الرائحة الذكية، وينتهي هذا السوق إلى سوق الخضر واللحوم، ويتفرع من الناحية الشمالية ومن بدايته الغربية سوق الشروق الذي ينتهي إلى شارع العينية ومنه إلى سوق القفاصة، حيث يشتمل على صناعة السرر بأنواعها.
وفي سوق العياشة يبيعون أنواع العيش، ففي الصباح يبتاع أهل المدينة الشريك ويقوم على صناعته عدد من الافران، وهي تنتمي إلى شيراك الكعكي حيث تقوم عائلة الكعكي بعملها وأشهرهم العم بادي كعكي رحمه الله، وشريك البري ويقوم به الشيخ عبدالله بري، وشريك العمري وغيرهم. وفي فترة الضحى يتبدل الوضع، حيث تباع أنواع العيش الأخرى وأشهرها عيش الحب والعيش المغربي والعيش الأبيض. أما في المساء فيباع الشريك أبو السمن والعيش الصامولي.
وفي هذا السوق وخلال فترة إنتاج النخيل تباع أنواع مختلفة من التمور ومنها اللونة وهو صنف غير مشهور يباع لأصحاب الأغنام، كما يوجد الفصي وهو نواة التمر يتم جمعها ثم ترسل لطحنها أنصافا وأرباعا ويضاف إليها الماء وتباع بالكلية. أيضاً توجد بقالات تبيع أنواعا من الاجبان والألبان والزيتون بأنواعه الأسود والأخضر وأشكاله المختلفة وكذلك الطرشي ومنه ما كان يصنع في المدينة أو ما يأتي من خارج المملكة. تجدر الإشارة إلى أن معظم البيوت في المدينة آنذاك كانت تقوم بصناعة العيش في المنزل، حيث تتولى النساء ذلك وأشهره العيش الحب.
إلى هنا اكتفي بتلك الصور الجميلة عن أسواق المدينة في الماضي، والحديث لا ينتهي طالما بقيت الذكريات، ويبقى الحب للحياة في المدينة المنورة متجذراً في الأفئدة. وأردت بهذه الصور الجميلة أن أنقلها إلى الأجيال من الأبناء والأحفاد، وأن أسجل هذا الوفاء من هؤلاء الرجال، رحم الله من رحل وترك فينا جذوة الصداقة الحقة والمحبة الصادقة، وكانوا جزءا من سياق الحياة في المدينة المنورة وأصبحوا في عمق ذاكرتنا.. وبارك الله في أعمار الأحبة الذين نتقاسم معا الحياة وكل هذا الحب لمراحل جميلة من العمر.. مع تمنياتي للجميع بالصحة والسعادة.
أخيراً نتمنى من أجيال الأبناء والأحفاد أن يستقوا من نبع الوفاء، ولا ينفصلوا عن روابط أصيلة بين الأزمة تشكل سياقاً للحياة الرائعة حقا في هذا الوطن بشعور أجمل بالانتماء والعطاء من أجله حاضراً ومستقبلاً .. والله الموفق.
بقلم - احد معاصري ذالك الزمن الجميل
لذا يصعب على من يستغرقه الحاضر أن يستقر أو أن يتطلع إلى المستقبل بدون أن يتدبر ماضيه ويتأمل وقع خطاه التي مشاها.. وكلنا يحلو له أن يتذكر ما تختزنه الذاكرة من مظاهر وأسلوب حياة.. والناس بكل أصناف مشاعرهم وطبائعهم.. وملامح الزمان والمكان، أينما شهدنا الزمان والمكان.
ومن حسن الطالع أن في المدينة المنورة بقيت صور جميلة من الماضي ولا تزال تحمل بصماته وإن تغيرت الوجوه وبعض المواقع ومظاهر العصر، والبناء الحديث الذي فرضه التطوير وهذه سنة الحياة. وفي كل مرة أزور فيها المدينة المنورة للصلاة في المسجد النبوي الشريف واتشرف بالسلام على خير الأنام صلى الله عليه وسلم، احرص على تفقد أحياء سكنية وحارات وأسواق شهدت مراحل وسنوات من العمر مع الأحبة والجيران ووجوه وأسماء تعاملنا معا وأكلنا "عيش وملح"، ومنهم من يحفظ هذه الذكريات بين جوانحه.
في زيارة قريبة التقيت الإخوة الأحبة مع حفظ الألقاب أسعد تقي خاشقجي وشقيقه اللواء شهاب وسامي أمين بري وشقيقه فريد بري وهو حاليا رجل أعمال بالمدينة المنورة.. تذكرنا أيام زمان في المدينة المنورة عندما كنا نلتقي ومعنا حبيبنا عبدالله السبيعي في متجر العزيز الراحل عادل شعبان رحمه الله.. وعدنا بشريط الذكريات أيام ندوة السندباد وفرسانها من اهل الادب والإبداع، ومعالم شارع العينية، ومحل السحلب والايسكريم، وطعمهما الذي لا ينسى من صنع التركي، كذلك الاوقات الرائعة في مكتبة الأخ أحمد نمكاني متعه الله بالصحة والعافية وثروته من أمهات الكتب.. أيضاً مكتبة حكمت عارف الاثرية التاريخية، والشيخ محمود أكنيلي بذاكرته وذكرياته رحمه الله.
تذكرنا عندما كنا نذهب (شلة) كل يوم سبت إلى مسجد قباء مشيا على الأقدام للاستراحة بين الزهور الجميلة، وبعد صلاة العشاء فيا لمسجد يعود كل منا إلى بيته.
هنا افتح صفحات من الذاكرة وقد تملكني الشوق والحنين إلى تلك الذكريات الحميمة، لأحرض ذكريات أمثالي من أبناء المدينة المنورة وهم الأوفياء المشدودون للزمن الجميل في رحاب طيبة. وما شجعني على بلورتها ورصد تفاصيلها أخي العزيز الأستاذ سامي أمين بري وهو صاحب أسلوب راق وبديع حقا، وكان والده الشيخ أمين -رحمه الله- ونتناول الشاهي الأخضر مع أخي سامي الذي زودني بتفاصيل عن صناعات الملابس وغيرها وكأنه بحث جميل ودقيق، وبالمناسبة سيودع قريبا حياته العملية الطويلة بجامعة الملك عبدالعزيز وأتمنى له الصحة والسعادة.
أما الذكريات فأخص هنا سوق القماشة النابض بالحركة الدائمة.. فما هي ملامحه آنذاك؟
خلال العام.. هذا السوق العريق كانت تمر عليه فترات تصل فيه الحركة إلى الذروة وذلك خلال الموسم، وأقصد بذلك فترة الحج، وهي تنقسم إلى فترتين: ما قبل الحج، وهي الفترة التي تقع في أشهر رمضان وشوال وذو القعدة والأيام الأولى من شهر ذو الحجة. اما الفترة الأخرى فهي تبدأ من عودة الحجيج من مكة المكرمة والتي تقع في اليوم الرابع عشر من ذي الحجة وحتى الايام الأخيرة من العام الجديد.
هذه الفترات السابقة يتخللها موسم آخر في هذا السوق يعتمد على الأهالي، وهي الفترة التي تقع في شهر رمضان المبارك، حيث يتسوق الأهالي لشراء لوازم العيد من أقمشة وخياطة ثياب وعمل أحذية جديدة (المدس) وشراء العقل والكتب لوضع الأزارير بها.
وتأتي أهمية سوق القماشة بالنسبة لأهل المدينة المنورة لشموله على معظم احتياجاتهم فتجد في السوق الصناعات اليدوية وتشمل:
- صناعة العقل وبيعها، فهناك العقل القصب وله نوعان أحدهما عقل القصب الفضة والآخر عقل القصب النحاس ولكل منهما من يقتنيه، فالأول أغرى من الثاني لتميزه في فترة الاستخدام وبقائه فترة طويلة دون أن يتغير، ويفرق بينهما عن طريق حرق القصب بالكبريت، حيث يتضح للمشتري أن القصب الفضة يأخذ اللون الأبيض (لون الفضة) والآخر يأخذ لون نحاس وهي النحاس. وهنالك نوع آخر وهو الحرير، وهو في المرتبة الثالثة بعد النوعين السابقين، وسنأتي على شرح صناعة العقل لاحقاً.
- صناعة المدس وبيعها، فهناك أنواع مختلفة،وهي تختلف وفقا لنوع الجلد الذي يعمل به هذا النوع من المدس.
- صناعة الثياب وبيعها وهي الأخرى تتميز حسب نوع القماش ونوع الشغل الذي يقوم به صناع الثياب، فمنها على سبيل المثال المكتل والعادي ونحوه.
- صناعة الغتر أو الشيلان حيث يتم عملها عن طريق التطريز وهي تأخذ أشكالاً مختلفة ومنها صناعة الطواقي، وهي الأخرى على عدة أنواع منها ما يشغل بالقصب الفضة والآخر النحاس وأيضاً الحرير.
- صناعة الخواتم والكردان والبناجر والسحبات والأسورة ونحوها، وهي تختلف حسب نوع المعدن فهناك الذهب والفضة والنحاس.
- صناعة المساند والمراتب والتكايات، وهي تقع في سوق القماشة إلا أنه موقعها في مواقع غير ظاهرة في نفس الدكاكين دائما في مخازن تصل إليها عن طريق السلالم. وتزدهر هذه الصناعة خلال فترة الزواج التي تقع غالباً في فترة البيصارة أي الفترة التي لا يوجد بها زوار للمدينة في ذلك الزمان.
والمحلات التجارية أيضاً صورة من صور الحياة العامرة وتضم:
- بائعي القماش، حيث يتخصص بعضهم ببيع أقمشة تخص النساء وأخرى تخص الرجال.
وما تجدر الإشارة إليه أن عددا كبيراً من أهل المدينة لا يسمحون لنسائهم بالتسوق ويتم أخذ الفاتورة وهي تختص بقطعة صغيرة من القماش ليطلع عليها أهل البيت ويحدد على أساسها لون وشكل القماش ويتم عقد هذه القطعة ليتولى رب الأسرة شراء المطلوب حسب الحاجة.
- بائعي مستلزمات الخياطة، ويوجد في السوق عدد من هذه الدكاكين التي يقوم البائع بتأمين هذه المستلزمات وهي الخيط والسست والأزارير والطقاطق وأنواع الإبر والطيران التي يشد عليها القماش لعمل السراويل وأنواع أخرى.
- بائعي السبح والخردوات والتي تشمل معظم مستلزمات الجاليات التي تأتي لزيارة المدينة من خواتم وبناجر ونحوها.
- بائعي الغتر أو الشيلان وهي متنوعة من الغباني والشماغ والشال العادي والآخر المطرز.
- بائعي الملابس النسائية وأدوات الزينة للنساء.
- بائعي الملابس الرجالية، وبائعي المشالح وهي الأخرى متنوعة حسب نوع المشلح (البشت) وهي القصب والفضة والنحاس والحرير.
- بائعي أدوات العطارة.. وأخيراً وليس آخر بائعي التمر. ووجود الكم الكبير من الصناعات اليدوية ونحوها في المدينة المنورة، والتي أشرت إليها يعطي فكرة عامة عن أهمية هذه الأسواق وخاصة سوق القماشة الذي تميز بموقعه الجغرافي فهو يصل من الناحية الشرقية بباب السلام الذي يشتمل هو الآخر على عدد من الدكاكين ذات الطابع المختلف، حيث يشتمل على دكاكين يزاولون فيها بيع أنواع مختلفة من الأدوات الغذائية مثل السكر والشاي والبن والهيل والمعلبات إضافة إلى المواد الغذائية الأخرى.
أما برحة باب السلام فكانت تتميز في فترة رمضان المبارك بوجود عدد مختلف من بائعي البليلة والترمس والفول والحلبة، حيث تتزين هذه البسطات بمختلف أنواع من الأتاريك التي تعمل بالكيروسين وبائعي الثلج وأنواع مختلفة من العصيرات والإسكريم. وفي الناحية الغربية من سوق القماشة يأتي باب المصري، وهذا الآخر يؤدي إلى عدد من الأسواق منها سوق الحبابة -سوق العياشة- سوق الطباخة وبه بائعو السمك البلدي والعسل،وتجد في هذا السوق أيضاً أنواعا مختلفة من الأكلات الشعبية مثل المقادم - التقاطيع ورؤوس المندي وأنواع مختلفة من الكبد والأوصال ونحوها، كما يوجد في هذا السوق بعض أنواع البقالات التي تبيع الفول المذرع، وهناك بعض البسطات التي تبيع أنواعا مختلفة من الفواكه، إضافة إلى كشك يحتوي على المياه الطبيعية المبردة ذات الرائحة الذكية، وينتهي هذا السوق إلى سوق الخضر واللحوم، ويتفرع من الناحية الشمالية ومن بدايته الغربية سوق الشروق الذي ينتهي إلى شارع العينية ومنه إلى سوق القفاصة، حيث يشتمل على صناعة السرر بأنواعها.
وفي سوق العياشة يبيعون أنواع العيش، ففي الصباح يبتاع أهل المدينة الشريك ويقوم على صناعته عدد من الافران، وهي تنتمي إلى شيراك الكعكي حيث تقوم عائلة الكعكي بعملها وأشهرهم العم بادي كعكي رحمه الله، وشريك البري ويقوم به الشيخ عبدالله بري، وشريك العمري وغيرهم. وفي فترة الضحى يتبدل الوضع، حيث تباع أنواع العيش الأخرى وأشهرها عيش الحب والعيش المغربي والعيش الأبيض. أما في المساء فيباع الشريك أبو السمن والعيش الصامولي.
وفي هذا السوق وخلال فترة إنتاج النخيل تباع أنواع مختلفة من التمور ومنها اللونة وهو صنف غير مشهور يباع لأصحاب الأغنام، كما يوجد الفصي وهو نواة التمر يتم جمعها ثم ترسل لطحنها أنصافا وأرباعا ويضاف إليها الماء وتباع بالكلية. أيضاً توجد بقالات تبيع أنواعا من الاجبان والألبان والزيتون بأنواعه الأسود والأخضر وأشكاله المختلفة وكذلك الطرشي ومنه ما كان يصنع في المدينة أو ما يأتي من خارج المملكة. تجدر الإشارة إلى أن معظم البيوت في المدينة آنذاك كانت تقوم بصناعة العيش في المنزل، حيث تتولى النساء ذلك وأشهره العيش الحب.
إلى هنا اكتفي بتلك الصور الجميلة عن أسواق المدينة في الماضي، والحديث لا ينتهي طالما بقيت الذكريات، ويبقى الحب للحياة في المدينة المنورة متجذراً في الأفئدة. وأردت بهذه الصور الجميلة أن أنقلها إلى الأجيال من الأبناء والأحفاد، وأن أسجل هذا الوفاء من هؤلاء الرجال، رحم الله من رحل وترك فينا جذوة الصداقة الحقة والمحبة الصادقة، وكانوا جزءا من سياق الحياة في المدينة المنورة وأصبحوا في عمق ذاكرتنا.. وبارك الله في أعمار الأحبة الذين نتقاسم معا الحياة وكل هذا الحب لمراحل جميلة من العمر.. مع تمنياتي للجميع بالصحة والسعادة.
أخيراً نتمنى من أجيال الأبناء والأحفاد أن يستقوا من نبع الوفاء، ولا ينفصلوا عن روابط أصيلة بين الأزمة تشكل سياقاً للحياة الرائعة حقا في هذا الوطن بشعور أجمل بالانتماء والعطاء من أجله حاضراً ومستقبلاً .. والله الموفق.
بقلم - احد معاصري ذالك الزمن الجميل